وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ H: «مَنْ ذَرَعَهُ الْقَيْءُ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ, وَمَنْ اسْتَقَاءَ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ.
وَأَعَلَّهُ أَحْمَدُ. وَقَوَّاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ.
تخريج الحديث:
حديث أبي هريرة I: رواه أحمد (2/498)، وأبو داود (2380)، والنسائي في الكبرى (3117)، والترمذي (720)، وابن ماجه (1676)، وظاهر السند الصحة، ولكن أعله بعض الحفاظ، منهم أحمد والبخاري([1])، وحكموا بعدم صحته، وقواه الدارقطني بقوله: «رواته كلهم ثقات([2])»، وصححه الشيخ الألباني([3]).
فقه الحديث:
الذي عليه جمهور أهل العلم: أن من استقاء عمدًا؛ فإنه يفطر، ومن قاء بغير عمد؛ فلا يفطر ويواصل صومه، فقد قال رسول الله H: «مَنْ ذَرَعَهُ القَيْءُ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ –أي: من سبقه القيء فإن صومه صحيح-، وَمَنْ اسْتَقَاءَ –أي: تعمد القيء- فَعَلَيْهِ القَضَاءُ»، وروى أحمد (6/433)، وأبو داود (2381) والترمذي (87) عن أبي الدرداء I: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ H قَاءَ فَأَفْطَرَ»، وإسناده صحيح، وما قبل «الفاء» يكون سببًا لما بعده، كقولهم: «سها فسجد»، فالحكم إذا عقب بـ«الفاء» دل على أنه العلة، فعليه: يكون معنى الحديث: أفطر بسبب أنه قاء، وهذا يحمل على حالة التعمد؛ إذ أن من قاء بغير عمد لا ذنب له حتى يبطل صومه، وهذا أولى من القول بأن المعنى: قاء فضعف فأفطر؛ لما سبق ذكره من حكم «الفاء»، وقد صح عن ابن عمر L هذا التفصيل([5])، وهو الراجح.
اختلف العلماء في وجوب القضاء عليه؛ فقال جمهور أهل العلم: يجب عليه القضاء ولا تكفيه التوبة.
ودليلهم:
وذهب بعض السلف وأهل الظاهر وابن تيمية وابن عثيمين إلى عدم وجوب القضاء عليه؛ لأنها عبادة لها وقت معلوم، فإذا تعمد الإنسان إخراجها عن وقتها بغير عذر؛ فلا تقبل منه في غير وقتها، وتكفيه التوبة والإكثار من العمل الصالح، بخلاف من كان له عذر، فقد ترك أداء العبادة في وقتها لعذر شرعي، فقبل منه القضاء، وقد روى الترمذي (723) وغيره عن أبي هريرة I قال: قال رسول الله H: «مَنْ أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ رُخْصَةٍ وَلَا مَرَضٍ، لَمْ يَقْضِ عَنْهُ صَوْمُ الدَّهْرِ كُلِّهِ وَإِنْ صَامَهُ»، أي: لو صام جميع السنة عوضًا عن هذا اليوم لم يقبل منه، وإسناده ضعيف، وبعض أهل العلم صححه موقوفًا على أبي هريرة I.
وأمر المجامع بالقضاء لا يثبت، وأمر المتقيء عمدًا بالقضاء -على ثبوته- لأن فعل هذا عمدًا إنما يكون لعذر من أذى ووجع؛ فيتداوى بالقيء، فكان في حكم المريض، والمرضى إذا أفطروا وجب عليهم القضاء.
فهذا القول أقيس من ناحية المعنى، وقول الجمهور أحوط وأبرأ للذمة.
([1]) التاريخ الكبير (1/92)، تلخيص الحبير (2/201).
([2]) سننه (2/184).
([3]) الإرواء (923).
([4]) المجموع شرح المهذب (6/320)، المغني (4/368)، بداية المجتهد (1/219)، فتح الباري (4/682).
([5]) رواه مالك في الموطأ (821).
([6]) المجموع شرح المهذب (6/329)، المغني (4/365)، المحلى مسألة (735)، مجموع الفتاوى (25/225)، فتح الباري (6/660)، تهذيب السنن مع عون المعبود (7/19)، الشرح الممتع (6/400).